ابن عجيبة

130

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

بتسليط أكابركم وحكامكم عليكم ، ومن تحت أرجلكم : سفلتكم وعبيدكم ، أَوْ يَلْبِسَكُمْ أي : يخلطكم شِيَعاً أي : فرقا متحزبين على أهواء شتى ، فينشب القتال بينكم ، وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ، بقتال بعضكم بعضا . وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلّم : أنه لما نزلت : أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ قال : « أعوذ بوجهك » ، ولما نزلت : أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ قال أيضا : « أعوذ بوجهك » ، ولما نزلت : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً قال : « هذا أهون » « 1 » ، فقضى اللّه على هذه الأمة بالقتل والقتال إلى يوم القيامة ، نعوذ بالله من الفتن . قال تعالى : انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي : نقلبها بورود الوعد والوعيد لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ما نزل إليهم . وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ أي : بالعذاب ، أو بالقرآن ، وَهُوَ الْحَقُّ أي : الواقع لا محالة ، أو الصدق في أخباره وأحكامه ، قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ أي : وكل إلىّ أمركم فأمنعكم من التكذيب ، أو أجازيكم ، إنما أنا منذر ، واللّه هو الحفيظ . لِكُلِّ نَبَإٍ أي : خبر بعذاب أو إيعاد به ، مُسْتَقَرٌّ أي : وقت استقراره ووقوعه ، يعرف - عند انقضائه - صدقه من كذبه ، وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ما يحل بكم عند وقوعه في الدنيا والآخرة . الإشارة : الخطاب للمريدين السائرين ، أو الواصلين . خوفهم بأن يحول بينهم وبين شهود عظمته الفوقية والتحتية ، فينزل عليهم عذاب الفرق من جهة العلو أو السّفل ، فلا يشهدون إلا الأكوان محيطة بهم ، أو يخالف بين وجوههم ويلبسهم شيعا ، فإذا تفرقت الوجوه تفرقت القلوب غالبا ، والعياذ بالله ، لأن الفتح والنصر مرتب على الجمع ، قال تعالى : قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ « 2 » . قال القشيري : فيه إشارة إلى أن الجمع مؤذن بالفتح . ه . فينبغي للمريد أن يشهد الصفاء في الجميع ، ويتودد إلى الجميع ، حتى لا يبقى معه فرق . واللّه تعالى أعلم . ثم حذّر من صحبة أهل الخوض ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 68 إلى 69 ] وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 68 ) وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 69 )

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : ( تفسير سورة الأنعام ، باب : قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا ) من حديث جابر رضى اللّه عنه . ( 2 ) الآية 26 من سورة سبأ .